المقريزي

543

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

باتوا يديرونها حمراء صافية * حتى الصّباح وأضحوا مثل ما باتوا ماتوا بحمى الحميا عن أواخرهم * موتا يودّ به الأحياء لو ماتوا فكنت لا ترى ذلك العالم العظيم إلا ضارب عود ، أو زامرا ، أو شارب خمر ، أو راقصا أو معانق محبوب له ، أو مترنما أو مغنّيا ، أو ساقي خمر إلى غير ذلك من أنواع اللّهو التي لا يمكن أن يعبّر عنها بعبارة ، بحيث لم يتركوا محرّما حتى أتوه ولا قبيحا إلا فعلوه ولا منكرا إلا جاهروا به مع الأمن والدّعة ، ورخص الأسعار ، وعدل السّلطان في رعيته ، فحصل لتيمور في هذا المهم من الأبّهة الملوكية ومن العظمة والمهابة والسّطوة ما لم يسمع بمثله فكانت بنات الملوك في هذا العرس وصائف قائمات في الخدمة وأبناء الملوك عبيدا قائمين على أقدامهم لقضاء ما يؤمرون به . واجتمع بين يديه مع ذلك رسل ملك مصر النّاصر فرج بن برقوق بتقادمه الجليلة ، ومنها الزّرافة والنعام ولا يوجد ذلك ببلاد سمرقند ، ورسل ملك الخطا ، وملك الهند ، ورسل صاحب العراق ، وصاحب الدّشت ، وصاحب السّند ، ورسل الفرنج وغيرهم من جميع أقاليم الدّنيا ، فأحضرهم جميعا هذا المهم . وصار يستدعي كلّ واحد من الأمراء والملوك وسلاطين الآفاق وأكابر النّاس ، وقوّاد التّوامين ، وزعماء الجيوش ومقدّميهم ، ورسل الملوك ، ويسقيه بيده ويخاطبه بالأخ أو الولد ويخلع عليه ويهب له ما يليق به من المواهب السّنية . هذا وقد أجلسهم عن يمينه على مقاديرهم وأجلس عن يساره الخواتين والنّساء سافرات عن وجوههن كما هي عوائدهنّ ، وضربت الجنوك والقانونات والعيدان والأرغنونات والنّاي ، ونحو ذلك من آلات الطّرب ، وقامت بنات الملوك تسقي القوم ، فلما استخفّ تيمور الطّرب قام يرقص ، وقد نثرت عليه الجواهر الرّائعة والدّرر الثّمينة وآلاف الذّهب والدّراهم حتى جلس وتمادى الحال حتى انقضى العرض ، فانفض الجمع بعد فراغ العرس من غير أن يشوّش أحد على أحد بقول ولا فعل ، فكان